جلال الدين السيوطي
172
الدر المنثور في التفسير بالمأثور
مجنبين ومحدثين فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن فقال لهم أتزعمون ان فيكم النبي صلى الله عليه وسلم وانكم أولياء الله وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي فشرب المؤمنون وملؤا الأسقية وسقوا الركاب واغتسلوا من الجنابة فجعل الله في ذلك طهورا وثبت أقدامهم وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة فبعث الله المطر عليها فلبدها حتى اشتدت وثبت عليها الاقدام ونفر النبي صلى الله عليه وسلم بجميع المسلمين وهم يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا منهم سبعون ومائتان من الأنصار وسائرهم من المهاجرين وسيد المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة لكبر سنه فقال عتبة يا معشر قريش انى لكم ناصح وعليكم مشفق لا أدخر النصيحة لكم بعد اليوم وقد بلغتم الذي تريدون وقد نجا أبو سفيان فارجعوا وأنتم سالمون فان يكن محمد صادقا فأنتم أسعد الناس بصدقه وان يك كاذبا فأنتم أحق من حقن دمه فالتفت إليه أبو جهل فشتمه وقبح وجهه وقال له قد امتلأت أحشاؤك رعبا فقال له عتبة سيعلم اليوم من الجبان المفسد لقومه فنزل عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة حتى إذا كانوا أقرب أسنة المسلمين قالوا ابعثوا إلينا عدتنا منكم نقاتلهم فقام غلمة من بنى الخزرج فأجلسهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال يا بني هاشم أتبعثون إلى أخويكم والنبي منكم غلمة بنى الخزرج فقام حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث فمشوا إليهم في الحديد فقال عتبة تكلموا نعرفكم فان تكونوا أكفاءنا نقاتلكم فقال حمزة رضي الله عنه أنا أسد الله وأسد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عتبة كفء كريم فوثب إليه شيبة فاختلفا ضربتين فضربه حمزة فقتله ثم قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الوليد بن عتبة فاختلفا ضربتين فضربه علي رضي الله عنه فقتله ثم قام عبيدة فخرج إليه عتبة فاختلفا ضربتين فجرح كل واحد منهما صاحبه وكر حمزة على عتبة فقتله فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال اللهم ربنا أنزلت على الكتاب وأمرتني بالقتال ووعدتني النصر ولا تخلف الميعاد فاتاه جبريل عليه السلام فأنزل عليه ألن يكفيكم ان يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين فأوحى الله إلى الملائكة انى معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان فقتل أبو جهل في تسعة وستين رجلا وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبرا فوفى ذلك سبعين وأسر سبعون * وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن بعض بنى ساعدة قال سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة رضي الله عنه بعد ما أصيب بصره يقول لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصرى لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس وأوحى الله إليهم انى معكم فثبتوا الذين آمنوا وتثبيتهم ان الملائكة عليهم السلام تأتى الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول أبشروا فإنهم ليسوا بشئ والله معكم كروا عليهم فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم وهو في صورة سراقة وأقبل أبو جهل يحضض أصحابه ويقول لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم فإنه كان على موعد من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم قال واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمدا وأصحابه في الحبال فلا تقتلوا وخذوهم أخذا * وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما حضر القتال ورسول الله صلى الله عليه وسلم رافع يديه يسأل الله النصر ويقول اللهم ان ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ولا يقوم لك دين وأبو بكر رضي الله عنه يقول والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك فأنزل الله عز وجل ألفا من الملائكة مردفين عند أكتاف العدو وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ابشر يا أبا بكر هذا جبريل عليه السلام معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض فلما نزل إلى الأرض تغيب عنى ساعة ثم نزل على ثناياه النقع يقول أتاك نصر الله إذ دعوته * وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة عليهم السلام ممن قتلوهم بضرب على الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به * وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله فاضربوا فوق الأعناق يقول الرؤس * وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطية رضي الله عنه في قوله فاضربوا فوق الأعناق قال اضربوا الأعناق * وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله فاضربوا فوق الأعناق يقول